قواعد وأخلاق الحرب والسلام

قواعد وأخلاق الحرب والسلام

بقلم : د عبد المحسن جمعة الأزهري

بسم الله الرحمن الرحيم

 لم تشهد الإنسانية حضارة أعظم من الحضارة الإسلامية ، ذلك أن هذه الحضارة تستمد عظمتها من عظمة روافدها   ، وليس أعظم رافدا من الوحيين ، القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة .

وقد بلغت هذه الحضارة شأوا عظيما حين فهم المسلمون حقيقة دينهم فكان هذا الفهم دافعا لهم لعمارة الأرض, وترك بصمتهم عليها لقرون ، في حين كان غيرهم  مايزال يعيش في ظلمات الجهل والخرافة .

ومع ذلك تعرضت الحضارة الإسلامية للتشويه المتعمد من الحاقدين ، حيث أشاعوا أن انتشار ورسوخ هذه الحضارة إنما مرده إلى استخدام القوة لفرض النفوذ عن طريق ما يسمى ( الجهاد ) , وأنه ما كان إلا حربا مقدسة – بالمفهوم الغربي في فترة الحروب الصليبية – في سبيلها يستباح كل شيئ ، وحديثا ساعد على هذا ممارسات خاطئة من فئة جاهلة صدَرَتأفعالُها عن فهم سقيم  للإسلام، فحصرته في قتال كل من تراه مخالفا لها في الفكر أو المبادئ فصدّرت صورة شائهةًللإسلام تضر ولا تنفع . تفرق ولا تجمع .

ولكن للإسلام صورة وضاءةتنطلق – حربا وسلما – من منظومة أخلاقية منضبطة بضوابط الوحيين

فليس كل شيئ مباحا في قانون الحرب عند المسلمين , والمعاهدات وفترة الهدنة  تُحترم وقت الحرب . وللحرب والسلم أخلاق سنها النبي صلى الله عليه وسلم

فمن قواعد الحرب وأخلاقها لدى المسلمين : أوامر النبي صلى الله عليه وسلم للمحاربين بعدم قتل الأطفال  والنساء والشيوخ ،بالتعبير الحديث ( المدنيون ) وهو مالم تراعه الحروب الحديثة ، وما أمرُ مدينتي هيروشيما وناجازاكي عنا ببعيد ، كذلك نهيه عن هدم المباني ، وحرق الزرع وقطع الأشجار ، وهو ما يعرف في الحروب الحديثة بالأرض المحروقة . و كذلك نهيه عن الإجهاز على الجرحى ،أو التمثيل بالقتلى، وعن قتل الأسرى، بل أمر بالإحسان إليهم بكافة صور الإحسان ، وهو أفضل مما تضمنته اتفاقية جنيف حديثا . ومن القواعد الأخلاقية التي أصلها النبي صلى الله عليه وسلم في الحرب احترام المقدسات الدينية للآخر حين رد صحفا من التوراة إلى اليهود بعد فتح خيبر ، وأين هذا مما فعله الرومان من تدنيسلبيت المقدس ، أوما فعله نابليون في الجامع الأزهر ؟

ومماتجدر الإشارة إليه ذلكم الخلق الرفيع الذي  ينبئ عن احترام إنسانية الإنسان حتى ولوكان عدوا ، ألا وهو دفن جثامين صرعى المشركين في غزوة بدر . ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل احترامه صلى الله عليه وسلم  المعاهدات التي بينه وبين أعدائه وعدم نقضها ، ولم يبدأ هو بحربهم ،بل أمر بإعلامهم أنه في حلّ من هذه المعاهدة بعد ظهور الدلائل على خيانتهم  .

أما عن القواعد والأخلاق التي أقرها النبي صلى الله عليه وسلم حال السلم فإنه كان أسرع الناس إلى تلبيةالدعوة إلى السلم حين تكون فيها المصلحة للأمة ، وتعظيم شعائر الله .يقول: «والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها».ثم إنه وضع ثوابت للتعامل بين المسلمين وبين من حولهم من أهل الديانات الأخرى – عن طريق الوثيقة التي كتبها بمجرد وصوله إلى المدينة مهاجرا – احترم بها حقهم في ممارسة شعائرهم دون مضايقة من أحد ولهم حق الدفاع المشترك عنهم ضد أي اعتداء طبقا لمابينه وبينهم من معاهدات ما لم ينقضوها . وأخيرا فنحن أمام نموذج فذٍّ لأخلاق الحرب والسلام أقره النبي صلى الله عليه وسلم ، وينبغي أن يقتدي به كل من يريد أن يسلك طريق التحضر والعدالة .